أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
316
العقد الفريد
إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية ، والملوك الجبابرة ، ومنازل كسرى وقيصر وبني الأصفر « 1 » ، فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السّلى وحدقة البعير « 2 » ، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تتغيّر ؛ وإنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج ، جانب منها منابت القصب ، وجانب سبخة نشّاشة لا يجف ترابها ، ولا ينبت مرعاها ، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة ، يخرج الرجل الضعيف منّا يستعذب الماء من فرسخين ، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنّق « 3 » ولدها ترنيق العنز ، تخاف عليه العدوّ والسبع ، فإلا ترفع خسيستنا . وتنعش ركيستنا « 4 » ، وتجبر فاقتنا ، وتزيد في عيالنا عيالا ، وفي رجالنا رجالا ، وتصفّر درهمنا ، وتكبّر قفيزنا ، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا . قال عمر : هذا واللّه السيد ! هذا واللّه السيد ! قال الأحنف : فما زلت أسمعها بعدها . فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه ليس هناك ، وأمّه باهليّة . قال عمر : هو خير منك إن كان صادقا . يريد : إن كانت له نيّة . فقال الأحنف : أنا ابن الباهليّة أرضعتني * بثدي لا أجدّ ولا وخيم « 5 » أغضّ على القذى أجفان عيني * إذا شرّ السّفيه إلى الحليم « 6 » قال فرجع الوفد واحتبس الأحنف عنده حولا وأشهرا ، ثم قال : إن رسول اللّه
--> ( 1 ) بني الأصفر : يعني الروم . ( 2 ) الحولاء : غلاف أخضر مملوء ماء ، والسّلى : الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد ، ويكنّى بحولاء السّلى وحدقة البعير عن الخصب والخير . ( 3 ) الترنيق : إدامة النظر . ( 4 ) الركس : قلب أول الشيء على آخره . ( 5 ) الأجدّ : اليابس القليل اللبن . ( 6 ) أغضّ : أصبر وأطبق أجفاني والقذى : ما يقع في العين من أذى وشرّ : من الشرّ .